الشوكاني

395

فتح القدير

في اعتذارهم ، لأن غرض المعتذر أن يصدق فيما يعتذر به ، فإذا عرف أنه لا يصدق ترك الاعتذار . وجملة ( قد نبأنا الله من أخباركم ) تعليلية للتي قبلها : أي لا يقع منا تصديق لكم لأن الله قد أعلمنا بالوحي ما هو مناف لصدق اعتذاركم ، وإنما خص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالجواب عليهم ، فقال ( قل لا تعتذروا ) مع أن الاعتذار منهم كائن إلى جميع المؤمنين ، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم رأسهم ، والمتولي لما يرد عليهم من جهة الغير ، ويحتمل أن يكون المراد بالضمير في قوله ( إليكم ) هو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على التأويل المشهور في مثل هذا . قوله ( وسيرى الله عملكم ) أي ما ستفعلونه من الأعمال فيما بعد هل تقلعون عما أنتم عليه الآن من الشر أم تبقون عليه ؟ . وقوله ( ورسوله ) معطوف على الاسم الشريف ، ووسط مفعول الرؤية إيذانا ، بأن رؤية الله سبحانه لما سيفعلونه من خير أو شر هي التي يدور عليها الإثابة أو العقوبة ، وفي جملة ( ثم تردون إلى عالم الغيب ) إلى آخرها تخويف شديد ، لما هي مشتملة عليه من التهديد ، ولا سيما ما اشتملت عليه من وضع الظاهر موضع المضمر ، لإشعار ذلك بإحاطته بكل شئ يقع منهم مما يكتمونه ويتظاهرون به ، وإخباره لهم به ومجازاتهم عليه ، ثم ذكر أن هؤلاء المعتذرين بالباطل سيؤكدون إن ما جاءوا به من الأعذار الباطلة بالحلف عند رجوع المؤمنين إليهم من الغزو ، وغرضهم من هذا التأكيد هو أن يعرض المؤمنون عنهم فلا يوبخونهم ولا يؤاخذونهم بالتخلف ويظهرون الرضا عنهم كما يفيده ذكر الرضا من بعد ، وحذف المحلوف عليه لكون الكلام يدل عليه ، وهو اعتذارهم الباطل ، وأمر المؤمنين بالإعراض عنهم المراد به تركهم والمهاجرة لهم ، لا الرضا عنهم والصفح عن ذنوبهم ، كما تفيده جملة ( إنهم رجس ) الواقعة علة للأمر بالإعراض . والمعنى : أنهم في أنفسهم رجس لكون جميع أعمالهم نجسة ، فكأنها قد صيرت ذواتهم رجسا ، أو أنهم ذوو رجس : أي ذوو أعمال قبيحة ، ومثله - إنما المشركون نجس - وهؤلاء لما كانوا هكذا كانوا غير متأهلين لقبول الإرشاد إلى الخير والتحذير من الشر ، فليس لهم إلا الترك . وقوله ( ومأواهم جهنم ) من تمام التعليل ، فإن من كان من أهل النار لا يجدي فيه الدعاء إلى الخير ، والمأوى كل مكان يأوى إليه الشئ ليلا أو نهارا . وقد أوى فلان إلى منزله يأوى أويا وإيواء ، و ( جزاء ) منصوب على المصدرية ، أو على العلية ، والباء في ( بما كانوا يكسبون ) للسببية ، وجملة ( يحلفون لكم ) بدل مما تقدم . وحذف هنا المحلوف به لكونه معلوما مما سبق ، والمحلوف عليه لمثل ما تقدم ، وبين سبحانه أن مقصدهم بهذا الحلف هو رضا المؤمنين عنهم ، ثم ذكر ما يفيد أنه لا يجوز الرضا عن هؤلاء المعتذرين بالباطل . فقال ( فإن ترضوا عنهم ) كما هو مطلوبهم مساعدة لهم ( فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ) وإذا كان هذا هو ما يريده الله سبحانه من عدم الرضا على هؤلاء الفسقة العصاة ، فينبغي لكم أيها المؤمنون أن لا تفعلوا خلاف ذلك بل واجب عليكم أن لا ترضوا عنهم على أن رضاكم عنهم لو وقع لكان غير معتد به ولا مفيد لهم ، والمقصود من إخبار الله سبحانه بعدم رضاه عنهم نهى المؤمنين عن ذلك لأن الرضا على من لا يرضى الله عليه مما لا يفعله مؤمن قوله ( الأعراب أشد كفرا ونفاقا ) لما ذكر الله سبحانه أحوال المنافقين بالمدينة ذكر حال من كان خارجا عنها من الأعراب ، وبين أن كفرهم ونفاقهم أشد من كفر غيرهم ومن نفاق غيرهم ، لأنهم أقسى قلبا وأغلظ طبعا وأجفى قولا ، وأبعد عن سماع كتب الله وما جاءت به رسله . والأعراب : هم من سكن البوادي بخلاف العرب ، فإنه عام لهذا النوع من بني آدم سواء سكنوا البوادي أو القرى ، هكذا قال أهل اللغة ، ولهذا قال سيبويه : إن الأعراب صيغة جمع وليست بصيغة جمع العرب . قال النيسابوري : قال أهل اللغة : رجل عربي إذا كان نسبه إلى العرب ثابتا ، وجمعه عرب كالمجوسي والمجوس ، واليهودي واليهود ، فالأعرابي إذا قيل له يا عربي فرح ، وإذا قيل للعربي يا أعرابي غضب ، وذلك أن من استوطن